عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

196

اللباب في علوم الكتاب

الرجم ، وصفة محمد - صلّى اللّه عليه وسلم - وهم يعلمون أنهم كاذبون ، وهو قول مجاهد وقتادة وعكرمة ووهب والسدي وهذا أقرب ؛ لأن الضمير في قوله : « وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ » راجع إلى ما تقدم من قوله : « أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ » والذي تعلّق الطبع بإيمانهم هم الذين كانوا في زمن محمد عليه الصلاة والسلام . وقولهم : الذين سمعوا كلام اللّه هم الذين حضروا الميقات ممنوع ؛ لأن من سمع التوراة والقرآن يجوز أن يقال : إنه سمع كلام اللّه . فإن قيل : كيف يلزم من إقدام البعض على التّحريف حصول اليأس من إيمان الباقين ، فإن عناد البعض لا ينافي إقرار الباقين ؟ أجاب القفّال فقال : يحتمل أن يكون المعنى كيف يؤمن هؤلاء ، وهم إنما يأخذون دينهم ، ويتعلمونه من علمائهم وهم قوم يتعمدون التحريف عنادا ، فأولئك إنما يعلمونهم ما حرفوه وعرفوه . فصل في كلام القدرية والجبرية قوله : « أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ » استفهام على سبيل الإنكار ، فكان ذلك جزما بأنهم لا يؤمنون البتة ، وإيمان من أخبر اللّه - تعالى - عنهم بأنه لا يؤمن ممتنع ، فحينئذ تعود الوجوه المذكورة للقدرية والجبرية . قال القاضي : قوله : « أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ » يدل على أن إيمانهم من قلبهم ؛ لأنه لو كان بخلق اللّه - تعالى - فيهم لكان لا يتغيّر حال الطمع فيهم بصفة الفريق الذي تقدّم ذكرهم ، ولما صحّ كون ذلك تسلية للرسول وللمؤمنين ؛ لأن الإيمان موقوف على خلقه - تعالى - ذلك ، وزواله موقوف على ألا يخلقه فيهم . وأيضا إعظامه - تعالى - لكذبهم في التحريف من حيث فعلوه ، وهم يعلمون صحته . وإضافته - تعالى - التحريف إليهم على وجه الذم يدلّ على ذلك ، واعلم أن الكلام عليه قد تقدم جوابه مرارا . فصل في ذم العالم المعاند قال أبو بكر الرازي : الآية تدلّ على أن العالم المعاند أبعد من الرّشد ، وأقرب إلى اليأس من الجاهل ؛ لأن تعمّده التحريف مع العلم بما فيه من العذاب يكون أشد قسوة ، وأعظم جناية . فصل في بيان أنهم إنما فعلوا ذلك لأغراض فإن قيل : إنما فعلوا ذلك لضرب من الأغراض كما قال تعالى : وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً